أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي

23

كتاب النسب

التي مارسها الخلفاء أدت إلى ازدياد العناية بعلم الأنساب وتطوره ، وتجلى ذلك واضحا في تقريب الخلفاء الأمويين للنسابين أمثال عبيد بن شرية ودغفل بن حنظلة وغيرهما ، ويظهر ذلك أيضا في الأدب الذي أفرزه ذلك العصر ، إذ كان الفخر بالآباء والأجداد غرضا من أغراض الشعر والطعن بالأصول هدفا من أهداف الهجاء ، وبدا ذلك بوضوح في شعر النقائض بين جرير والفرزدق - أشهر شعراء ذلك العصر . وفي تلك الفترة كان علم النسب مرتبطا برواية الأخبار والأيام ثم اقترن بفن المغازي والسير وكان يمر بمرحلة الرواية الشفوية المرتبطة بالسند ومرحلة التدوين البدائي الذي وجد لمساعدة الذاكرة . 4 - العصر العباسي : تعرضت فيه لبعض تفاصيل النزاع بين الأحزاب السياسية حول الخلافة وخاصة بين بني هاشم وبني العباس ، الأمر الذي أدى إلى زيادة الحرص على النسب فقد تحولت جهة الاهتمام به - في منتصف القرن الثاني الهجري - من الانتساب إلى القبائل العربية إلى الانتساب إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فصار شريفا كل من كان من أهل البيت سواء أكان علويا أم جعفريا أو عباسيا ، خاصة لكون زعماء الأحزاب السياسية من الأشراف نسبا . والتيار الشعوبي الذي ظهر سافرا - آنذاك - محاولا تحطيم وازدراء كل ما هو عربي سواء أكان نسبا أو عادة اجتماعية أو حتى الإسلام نفسه ، كان له الأثر الكبير في تطور علم الأنساب وتقدمه ، إذ أفرز هذا الصراع مصنفات تهتم بمآثر العرب ومفاخرهم وفضائلهم مقابل المؤلفات التي صدرت عن الشعوبية والتي خاضت في مثالب العرب وطعنت في أنسابهم ، ولكن النقلة الكبرى لهذا العلم ، كانت بفعل نشاط حركة التدوين وازدهار الحركة العلمية في ذلك العصر بفضل عوامل عديدة - وضحناها في مكانها - فقد عبر هذا العلم مرحلة الرواية الشفوية وأقام على ساحة التدوين علما قائما بذاته ، له أسس وقواعد وأصول ، وتحول اهتمام النسابين من العناية بنسب القبيلة إلى العناية بأنساب الأمة العربية بكاملها مما أدى لظهور مصنفات كبيرة في النسب شملت أنساب القبائل العربية كلها كما كان عند ابن الكلبي . وباعتبار علم الأنساب كان طريقة من طرق تدوين مادة التاريخ ، فقد ساهمت في إثرائه وتطوره مدارس التاريخ الكبرى وهي : 1 - مدرسة المدينة والشام .